أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

97

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ملأت منهم القبور ، وقد نذرت جميع ما تملك من ذهب صدقةً لله تعالى إذا حفظ الله ولدها الشهيد الصدر ، وأوفت بعهدها ونذرها هذا في تسليم الأموال تحت ميزاب الذهب في مرقد الإمام علي ( ع ) حيث كانوا يتقرّبون عنده بالدعاء والوفاء بالنذور . كما كانت رضوان الله عليها تلبس إلى آخر أيامها سواراً من حديد دفعاً للشرّ والأذى عن أولادها ، ولكن شاء الله تعالى أن تفقدهم جميعاً مرّة أخرى في حياتها بعد أن كبروا واكتملوا وأصبحوا محطّ الآمال العريضة في الأمّة وجميع أطرافها الواسعة ، ولا مردّ لمشيئة الله تعالى ، وهي عبرةٌ في التاريخ والسِيَر وحكمةٌ إلهيّةٌ وبلاءٌ دنيويٌّ بشّر الله الصابرين به وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ « 1 » وقضاءٌ ربّانيٌّ لا يغني عنه شيء ، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم مشيراً إلى ذلك نقلًا عن يعقوب في وصيّته لأولاده عندما ذهبوا ليتحسّسوا من يوسف وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ؟ « 2 » » « 3 » . وكان السيّد حيدر الصدر كثير الحرص على أولاده حتّى قال : « أنا لا أطرد بعوضةً إن جاءت تريد أن تمتصّ دمي مخافة أن تنتقل وتذهب لتمتصَّ دم ولدٍ من أولادي » « 4 » . وينقل الشيخ النعماني عن الحاج علي اعتماد أنّه كان يرى السيّد حيدر حاملًا السيّد محمّد باقر آتياً به إلى الحضرة ( ضريح الإمام ( ع ) ) « 5 » . وتنقل السيّدة أم جعفر الصدر عن والدة السيّد الصدر أنّه عندما كان صغيراً مرض مرضاً شديداً فخافت عليه ، وفي إحدى ليالي مرضه وعندما فرغت من الصلاة اتّكأت على الحائط فرأت بين النوم واليقظة الإمام الحجّة ( ع ) وقد مدّ رأسه الشريف من الشبّاك - وكانت البيوت في السابق شرقيّة - وسمعته يقرأ ويوجّه قراءته نحو السيّد . وفي اليوم التالي أصبح وهو معافىً من كلّ مرض وفي خير وعافية « 6 » . وممّا روته الحاجّة عن تلك الأّيام الصعبة : « إنّ الفتى الصغير سيّد محمّد باقر الذي كان قد تخطّى بالكاد [ سنينه ] الثلاث ، جاءني يوماً يشكو الجوع ، وهو يلحّ في طلب أكلة يحبّها وهي شهيرة في العراق ، وهي خبر اللحم . كان ذلك بعد صلاة الظهر ، فصار يزيد إلحاحاً ويصرخ طالباً ما يشتهيه ، تحت ضغط الجوع الذي كان يعصر أمعاءه . قلت : ( لا حول ولا قوّة إلّا بالله ، من أين آتي لك الآن يا بني بخبز اللحم ، وما من لحم في البيت ؟ ! هاك اكتفِ بكسرات الخبز هذه ) . فلم يقتنع الطفل وصار يبكي ، محتجّاً على اعتذاري وعجزي عن

--> ( 1 ) البقرة : 155 ( 2 ) يوسف : 67 - 68 ( 3 ) ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) ؛ الصدر في ذاكرة الحكيم : 40 ( 4 ) وريث الأمجاد وجامع الأضداد ، السيّد حسين هادي الصدر ، شبكة الإنترنت ( 5 ) مقابلة ( 1 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني - ( 6 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر للمصنّف ، ( مخطوط ) .